حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

203

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

الفاعل فالمعنى ومكتوب عند اللّه مكرهم فيجازيهم عليه بأعظم من ذلك ، وإن كان مضافا إلى المفعول فمعناه وعنده مكرهم الذي يمكرهم به وهو عذابهم الذي يستحقونه فيأتيهم به من حيث لا يشعرون . أما قوله : وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ من قرأ بكسر اللام الأولى ونصب الثانية فوجهان : أحدهما أن تكون « إن » مخففة من الثقيلة فزوال الجبال مثل لعظم مكرهم وشدته أي وإن الشأن كان مكرهم معدا لذلك . وثانيهما أن تكون « إن » نافية واللام المكسورة لتأكيد النفي كقوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [ البقرة : 143 ] والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات اللّه وشرائعه الثابتة على حالها أبد الدهر . ومن قرأ بفتح اللام الأولى ورفع الثانية فإن مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة ، والمعنى كما مر . ثم إنه سبحانه أكد كونه مجازيا لأهل المكر على مكرهم بقوله : فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ قال جار اللّه : قدم المفعول الثاني - وهو الوعد - على المفعول الأول ليعلم أنه غير مخلف الوعد على الإطلاق . ثم قال : رُسُلَهُ تنبيها على أنه إذا لم يكن من شأنه إخلاف الوعد فكيف يخلفه رسله الذين هم صفوته . والمراد بالوعد قوله : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا [ غافر : 51 ] كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة : 21 ] ونحوهما من الآيات . قوله : إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ قد مر في أول « آل عمران » يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ قال الزجاج : انتصاب يوم على البدل من يَوْمَ يَأْتِيهِمُ أو على الظرف للانتقام ، والأظهر انتصابه باذكر كما مر في الوقوف . ومعنى قوله : وَالسَّماواتُ أي وتبدل السماوات . قال أهل اللغة : التبديل التغيير وقد يكون في الذوات كقولك « بدلت الدراهم دنانير » وفي الأوصاف كقولك « بدلت الحلقة خاتما » إذا أذبتها وسوّيتها خاتما فنقلتها من شكل إلى شكل . وتفسير ابن عباس يناسب الوجه الثاني قال : هي تلك الأرض وإنما تغير فتسير عنها جبالها وتفجر بحارها وتسوّى فلا يرى فيها عوج ولا أمت ، وتبدل السماء بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبوابا . وعن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « يبدل اللّه الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدّها مدّ الأديم العكاظي فلا ترى فيها عوجا ولا أمتا » وهذا القول يناسب مذهب الحكماء في أن الذوات لا يتطرق إليها العدم وإنما تعدم صفاتها وأحوالها . نعم جوزوا انعدام الصور مع أنها جواهر عندهم . وتفسير ابن مسعود يناسب الوجه الأول قال : يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطئ عليها أحد خطيئة . وعن علي كرم اللّه وجهه : تبدل أرضا من فضة وسماوات من ذهب . وعن الضحاك : أرضا من فضة بيضاء كالصحائف . وقيل : لا يبعد أن يجعل اللّه الأرض